محمد بن علي الشوكاني
5012
الفتح الرباني من فتاوى الإمام الشوكاني
قريش " ( 1 ) . ونحو ذلك مما يكثر إيراده . وتخلف هذه في الواقع ضروري لا ينكر ، وعدم تخلف الأخبار النبوية ضروري ، فلهذا قلنا : إنها أخبار مراد بها الإنشاء . ولعل حديث : " الإسلام يعلو [ ولا يعلى عليه ] ( 2 ) " من هذا القبيل ، فيكون في قوة أمر المسلمين بأن يجعلوه عاليًا ببذل الأنفس والأموال ، والتشديد على عداء الله ، وهو أدخل في الدلالة على المطلوب . الدليل السابع : أخرج مسلم ( 3 ) من حديث أبي هريرة قال : قال رسول الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ - : " لا تبدءوا اليهود والنصارى بالسلام ، وإذا لقيتموهم في طريق فاضطروهم إلى أضيقه " ( 4 ) . أمر - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ - الأمة بأن لا يدعوهم يمشون في وسط الطريق ؛ لما في ذلك من ظهور العزة ، وأمرهم بأن يضطروهم [ 4 ] إلى أضيقه إظهارًا لإذلالهم ، وإهانتهم وكراهة لمساواتهم المسلمين في جادة الطريق . وفحوى الخطاب ولحنه قاضيان بمنعهم عن
--> ( 1 ) أخرج أحمد في " المسند " ( 2 / 364 ) عن أبي مريم أنه سمع أبا هريرة يقول : قال رسول الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : " الملك في قريش ، والقضاء في الأنصار ، والأذان في الحبشة والسرعة في اليمن " وقال زيد - ابن الحباب - مرة يحفظه : " والأمانة في الأزد " . * ورجاله رجال الصحيح غير أبي مريم وهو الأنصاري ، فقد روى له أبو داود والترمذي وهو ثقة . واختلف في وقفه ورفعه ، والموقوف أصح . ( 2 ) زيادة من ( ب ) . ( 3 ) في صحيحه رقم ( 2167 ) وأحمد ( 2 / 436 ) وأبو داود رقم ( 5205 ) من حديث أبي هريرة . قال القرطبي في " المفهم " ( 5 / 490 ) : إنما نهى عن ذلك لأن الابتداء بالسلام إكرام ، والكافر ليس أهلًا لذلك ، فالذي يناسبهم الإعراض عنهم وترك الالتفات إليهم ، تصغيرًا لهم ، وتحقيرًا لشأنهم ، حتى كأنهم غير موجودين . ( 4 ) قال القرطبي في " المفهم " ( 5 / 490 ) : أي : لا تنتحوا لهم عن الطريق الضيق إكرامًا لهم واحترامًا ، وعلى هذا فتكون هذه الجملة مناسبة للجملة الأولى في المعنى والعطف ، وليس معنى ذلك أنا إذا لقيناهم في طريق واسع أننا نلجئهم إلى حرفة حتى نضيق عليهم ؛ لأن ذلك أذى منا لهم من غير سبب ، وقد نهينا عن أذاهم